حيدر حب الله
609
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ومع تعهّدهم بعدم الرواية عن الكذابين ، وما خالف الواقع والدين ، سطروا في مصنفاتهم روايات كثيرة مليئة بالغلوّ والانحراف ، لقد تساهل هؤلاء العلماء - عند الأصفهاني - وأهملوا هذا الموضوع الهام ، ولو أنّهم كانوا محققين فعلا ونقّاد أحاديث لوزنوا الأمور ، وعرضوا ما بأيديهم على الكتاب ، والعقل ، والنقد السندي ، ولما اعتمدوا في التوثيقات على قول فلان أو فلان « 1 » . ومن هذا الإهمال الذي حصل ، يرى الأصفهاني أنّ كتب الشيعة والسنّة معا مملوءة من الأخبار المجعولة « 2 » ، حتى جعل كثرة الروايات المتعارضة في وسائل الشيعة ، دليلا على كثرة الوضع فيه « 3 » ، وأنّ مثل أبي هريرة الوضّاع قد استطاع النفوذ إلى مصادر الحديث ، لذا يطالب أهل السنّة باتخاذ موقف تجاه أمثاله ، كما يطالب الشيعة « 4 » . ولأنّ الأصفهاني يرى أكثر أخبار الوضع في مجال المستحبات ، يرفض بشدّة الروايات التي تعطي ثوابا عظيما على عمل يسير « 5 » ، كما يرفض أخبار قاعدة التسامح رفضا شديدة « 6 » ، ويفرد لهذه القاعدة رسالة خاصّة « 7 » ، كما يعتبر تفسير الإمام العسكري عليه السّلام مجعولا « 8 » . الأصفهاني وتجربة الفقه المؤسّس على رفض أخبار الآحاد أصوليا لم يقف الأصفهاني عند حدود النقد النظري لمقولة حجيّة بعض الظنون بما فيها أخبار الآحاد ، بل تعدّاها لممارسة فقهية ، تمثلت في أبحاث فقهيّة له ، ثم رسالة عملية للتقليد ، ولكي نطلّ على مشهد الفقه الشيعي ، وسط نظرية بطلان الظن ، تجدر الإشارة سريعا إلى بعض النتائج الفقهية التي خرج بها الموسوي الأصفهاني ، لنعرف تأثيرات نظرياته الأصوليّة في علم الفقه ، الذي هو الميدان التطبيقي لمقولات الظن والعلم . بداية ، يفاجئنا الموسوي الأصفهاني في ميدان الفقه بقضايا ثلاث : الأولى : لا تحصل أهداف الدين ، من تهذيب النفس وإصلاح العمل ، عبر اتّباع الظنّ .
--> ( 1 ) - الأصفهاني ، فقه استدلالي : 167 - 168 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 685 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 582 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 483 - 505 . ( 5 ) - المصدر نفسه : 580 - 582 ، 583 - 584 . ( 6 ) - المصدر نفسه : 559 - 600 . ( 7 ) - الأصفهاني ، پيرامون ظن فقيه : 77 ، 558 - 560 . ( 8 ) - المصدر نفسه : 563 - 566 ؛ وفقه استدلالي : 568 .